حيدر حب الله
482
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
البقرة : 272 ؛ والليل : 19 - 20 ) . ويناقش بأنّ غاية ما تفيده الآية الكريمة هو التمييز بين حالتين : حالة المرابي الذي يعطي القرض متصوّراً أنّ ماله هذا سينمو في مال المقترِض ، ويعود عليه زائداً ، أو حالة المقترض بربا الذي يعطي الزيادة لتكون نماءً في مال المقرِض المرابي . . إنّ هذه الحالة لا توجب مضاعفة المال ، والذي يوجب حصولكم على المضاعفة الحقيقيّة هو أن تنفقوا أموالكم ابتغاء وجه الله ، فهذا ما يحقّق لكم المضاعفة الحقيقيّة لا ما تفعلونه من أمر الربا . وهذه المقارنة التي وضعتها الآية الشريفة لا تفيد حصر الزكاة المصطلحة بقصد القربة ، بقدر ما تفيد أنّ الإنفاق الخيري بقصد القربة يضاعف عند الله تعالى دون المعاملة الربوية ، فقد قدّم القرآن الكريم الأنموذج الأعلى للمضاعفة في مقابل الربا ، وهذا لا ينفي سقوط التكليف عن الإنسان لو دفع زكاة ماله بالمعنى الخاص للزكاة من دون قصد القربة ، بل مع قصد خيري آخر . ويمكن عدّ هذه الآية - التي قيل : إنّها مكّية ، تبعاً لعدّ سورة الروم مكيّةً - بمثابة خطاب تمهيدي قرآني « 1 » يعتمد الترغيب في شيء بديل مقابل شيء يراد لاحقاً إعلان حرمته ، وهو الربا الذي حُرّم - على ما هو المعروف - في الحقبة المدنية ، ومن ثمّ فلا ضرورة لما افترضه بعض المفسّرين من أنّ هذه الآية تقصد أمراً آخر من الربا ، وهو الهدية والهبة ليُعطى المُهْدِي فيما بعد هديةً أعظم فيها ، فتكون الآية حاصرةً الثواب بالصدقة المشترطة دوماً بقصد القربة ، أمّا ما سواها من الانفاقات التي لا قربة فيها فلا قيمة لها عند الله سبحانه « 2 » ، لا ضرورة لهذا التفسير الذي ذهب إليه بعضهم ؛
--> ( 1 ) انظر : محمد عزة دروزة ، التفسير الحديث 5 : 454 . ( 2 ) انظر - على سبيل المثال - : ابن الجوزي ، زاد المسير 6 : 153 .